لخطورتها ولأهمية تناولها خاصة في الوقت الراهن والذي يشهد أزمات وضغوط اقتصادية تواجهها مصر ؛ لذا كانت عنوانا لندوة ثقافية أقامتها وكالة خدمة المجتمع وتنمية البيئة بكلية الآداب بالتعاون مع المجلس القومي للسكان بسوهاج يوم الأربعاء الموافق ١٣ نوفمبر ٢٠٢٤ ،بقاعة المناقشات بمقر كلية الآداب بالكوامل .
فقد جاءت الندوة تحت عنوان ” خطورة الزيادة السكانية علي الاقتصاد القومي والصحة الإنجابية ” ، مشمولة برعاية من كل من : الدكتور حسان نعمان رئيس جامعة سوهاج ، والدكتور خالد عمران نائب رئيس الجامعة لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة ، والدكتور محمد توفيق عميد كلية الآداب ، وأدارها الدكتور بهاء محمد عثمان وكيل الكلية لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة . وحاضر بها كل من : الدكتور أحمد النحاس الأستاذ بكلية الطب بالجامعة ، وحمدي النادي رئيس المجلس القومي للسكان بسوهاج ، والدكتورة هالة حافظ الاستاذ المساعد بقسم الجغرافيا ونظم المعلومات الجغرافية ومنسق برنامج المساحة البحرية بالكلية ، والشيخ عبد العاطي عبد الرحمن الداعية بوزارة الأوقاف .
واستهل الدكتور بهاء عثمان الندوة بكلمة افتتاحية أكد فيها على أهمية موضوع الندوة ، حيثٌ تشكل الزيادة السكانية في الوقت الراهن تحدياً للدول على اختلاف أنظمتها سواء المتقدمة أو النامية، فثمة حقائق لا يمكن تجاهلها عن المشكلة السكانية الآن لأنها بقدر ما تمس الفرد والمجتمع؛ فإن أبعادها تجاوزت الحدود الاقليمية إلى العالمية حتى أصبحت تفرض على المجتمع الدولي مواجهتها والتصدي لها، و تأتى الزيادة السكانية كإحدى القضايا المهمة التي تظل محل نقاش دائم ومستمر على طاولة البرلمان والحكومة، لا سيما وكونها تلتهم ثمار التنمية ، فضلاً عما تسببه من ضغط على سوق العمل والطاقة الاستيعابية للنشاطات الاقتصادية، ما يجعلها تحدياً رئيسياً للدولة المصر ية .
جوانب من فعاليات الندوة العلمية التي أقيمت بقاعة المناقشات بكلية الآداب .
وعن دور المجلس القومي للسكان في مواجهة الزيادة السكانية ؛ أوضح حمدي النادي أن المجلس يقوم برسم السياسات والاستراتيجيات السكانية لتحقيق العدالة الاجتماعية و الكرامة الانسانية لكافة المواطنين دون تمييز ؛ لتحقیق نمو سکانی متوازن مع معدلات التنمية الاقتصادية المرجوة من خلال الاساليب العلمية والبيانات السكانية ودلائل نتائج البحوث ، لتضمينها فى خطط الدولة للتنمية . مضيفا أن معدل الزيادة السكانية يمثل خطرًا على الدولة بعد اقترابه من نسبة 2.5% ، وهذا المعدل يمثل ضعف معدل الزيادة السكانية العالمي الذي يسجل 1.2% سنويًا ، و5 أضعاف معدل الزيادة السكانية في الصين ، الذي يسجل سنويًا 0.5% ، و أن معدل الزيادة السكانية يلتهم إيرادات الدولة المصرية وكل ثمار التنمية .
و من منظور الصحة الإنجابية ، أشار الدكتور أحمد النحاس إلى أن الصحة الإنجابية تعني قدرة الناس علي أن يكونوا قادرين على الإنجاب ولديهم حرية اختيار توقيت وكيفية القيام بذلك، وتشمل – أيضًا – أن يكون الرجال والنساء على علم بوسائل تحديد نسل آمنة وفعالة وميسورة التكلفة ومقبولة، وكذلك الحصول على خدمات الرعاية الصحية المناسبة للطب وتطبيق برامج التثقيف الصحي للتأكيد على أن الحصول على فترة حمل وولادة آمنين توفر للأزواج أفضل فرصة للحصول على طفل سليم . موضحا أنه يجب النظر إلى الصحة الإنجابية كنهج حياتي لأنها تؤثر على كل من الرجال والنساء من الطفولة إلى سن الشيخوخة ، حيث تؤثر الصحة الإنجابية تأثيراً عميقاً على صحة الفرد . مؤكدا على أن برامج الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة تعتبر من البرامج الأساسية لمواجهة الزيادة السكانية والتي تشكل خطراً كبيراً على جهود التنمية التي تبذلها الدولة ، كما أنها تساهم في خفض معدلات وفيات الأمهات والأطفال، وأن الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة هي أحد الاستراتيجيات القومية والعالمية للحد من الفقر وتحسين المستوى المعيشي للأسر وتهدف الى الارتقاء بجودة حياة المواطنين .
وأن برامج الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة تشمل مختلف الأبعاد الأسرية الاجتماعية والصحية والثقافية ، كما تعمل على تقدم التطعيمات وخدمات الرعاية الأولية، فضلاً عن متابعة الفحوصات الطبية قبل الزواج وبعده وكذا اتخاذ ما يلزم في إطار الارتقاء بالخصائص السكانية.
كما أكد الدكتور أحمد النحاس على أن تنظيم الأسرة هو الحل لتجنب تبعات الانفجار السكاني الوشيك في المجتمع المصري، موضحا أن تنظيم الأسرة و الإنجاب له العديد من الفوائد الاقتصادية على المجتمع و الفرد ، حيث أن المُباعدة بين الولادات تساعد في تنظيم موارد الأسرة لكل طفل بشكل مُلائم، بينما الولادات المُتقاربة والمُتعددة غالباً ما ترتبط بالفقر، وتُثقل ميزانية الأسرة والبيئة الأسرية ، مما يُسهِم في ضعف الأداء المدرسي للأطفال بسبب سوء التغذية وعدم قُدرة الوالدين على الاعتناء باحتياجات طفلهما .
ومن المنظورين الجغرافي والاقتصادي ؛ ترى الدكتورة هالة حافظ أن الزيادة السكانية في مصر لا تتمثل فقط في زيادة أعداد المواليد ؛ وإنما في سوء التوزيع الجغرافي للسكان علي خارطة مصر ؛وكذلك تدني الخصائص السكانية وعلي رأسها ارتفاع معدلات الأمية وتدني مؤشرات الصحة العامة. لذلك قامت ركائز السياسة السكانية علي هذه المحاور الثلاثة: ارتفاع معدلات المواليد، الخلل في توزيع السكان وتدني الخصائص السكانية، إلا أن الاهتمام العام في وسائل الاعلام دائما ما يصور المشكلة السكانية عادة علي أنها زيادة عددية فقط وهو ما يجافي الحقيقة ويتناسى عنصر الكثافة السكانية، والأهم من ذلك عنصر الجودة متمثلاً في الخصائص السكانية.
وشددت الدكتورة هالة حافظ على أن القضية السكانية تبدو معقدة بسبب تشابك ملفاتها، خاصة وأن الوزن السكاني لأي دولة يمثل سلاحاً ذا حدين، فيمكن أن يمثل قيمة مضافة وثروة يجب استغلالها، كما يمكن أن يمثل عبئاً واستنزافاً للموارد
ومن منظور الشريعة الإسلامية ؛ أوضح الشيخ عبد العاطي عبد الرحمن أن الشريعة الإسلامية تتسم أحكامها بالشمولية والمروة في تنظيم حياة الفرد المسلم فيما لا يخالف نصاً شرعياً ، فكانت عنايتها بالسرة المسلمة بشكل عام وبالنسل بشكل خاص فيما يعرف بالصحة الانجابية من خلا عدة تدابير ، منها : تحديد السن المناسب للزواج ، وحسن اختيار كلاً للآخر ، ثم تنظيم الأسرة دون التحديد ، ثم الامتناع عن بعض المحظورات التي تؤثر على الصحة الانجابية ، فضلاً عن العناية بالمولود بتحديد عامين كاملين للرضاعة ، وأخيراً تجريم الشريعة للإجهاض بعد نفخ الروح فيه . مؤكدا على أن الحديث عن تنظيم الأسرة لا يقصد منه منع الإنجاب وإنما إيجاد فترات متباعدة بين الحمل والآخر حفاظاً على صحة الأم والطفل ، وبناء الأسرة القوية ، فتنظيم النسل يجب أن يكون بطريقة شرعية ، حتى تكون الأم قادرة على رعاية الأطفال بصورة جيدة وتنشئتهم نشأة جيدة، فلا يليق أن ننجب الأطفال ونظلمهم بإهمالهم وعدم رعايتهم .
وطرحت الندوة عدة مقترحات لمواجهة المشكلة السكانية ، والتي تتمثل في : وضع استراتيجية عاجلة ومُوحدة قابلة للتطبيق لضبط معدلات النمو السكاني والاهتمام بوضع ” خفض معدل الزيادة السكانية ” كهدف قومي تتعاون كافة أجهزة الدولة فى تحقيقه . ثم وضع “الفرصة الديموغرافية” الحالية للهيكل السكاني في مصر فى أولويات الاستراتيجية الموحدة لضبط النمو السكاني واستغلالها بالشكل الأمثل . ثم إحداث عملية خلخلة سكانية واقعية وحقيقية لإنهاء تكدس السكان حول وادى النيل ودلتاه والانتقال إلى المدن والعواصم الجديدة التي أقامتها الدولة في الأعوام الأخيرة . ثم وضع سياسة واضحة لتحسين الخصائص السكانية لتحقيق الاستفادة القصوى من الثروة البشرية في عملية التنمية المستدامة .